مايسطرون
2022-05-14

أين مصداقية الحب؟ 


كل علاقة حب بين شخصين، طرفين، جماعتين، دولتين، حضارتين، يتحكم في مسارها مقدار الصراحة والوضوح والشفافية، مقدار الصراحة حتى الشعور بالاطمئنان، مقدار الوضوح فيما ما يحكى أكثر من مقدار ما يخفى، مقدار الشفافية في تبادل المعلومات بكل أريحية. فبمقدار ما نقدم سوف نُعطى، وبمقدار ما نحكي سوف يُحكى لنا. لأن المصداقية مُعدية، فكلما ارتفع منسوب مصداقيتنا وثق الآخرون فينا، وكلما زادت نسبة مصداقية من يتعامل معنا سوف تزداد ثقتنا به. فالمصداقية طريق للحب بينما الغموض طريق إلى الكراهية.

لو أخذنا علاقة الغرب بالشرق، على سبيل المثال، نجد أن غياب المصداقية هو واحد من إشكاليات العلاقة، لأن الغرب يخفي ما بين رغباته وأهدافه مصالحه الخاصة التي تكون مدمرة للعلاقات مع الأخرين. أو كما يقول المفكر أمين معلوف، إن مأساة الغرب اليوم، كما بالأمس، ومنذ قرون، هي في أنه كان على الدوام حائراً بين رغبته في تمدين العالم وإرادته السيطرة عليه، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما. لقد تكلم عن أنبل المبادىء في كل مكان، لكنه حرص على الامتناع عن تطبيقها في الأراضي التي غزاها.*1

المصداقية في علاقة الحب تنبع من كون الحب لا يعيش في أجواء الغموض التي تكرس الكراهية. الحب لا ينمو في أرض معتمة حيث تفضي للكراهية. الحب لا يثمر في قلوب عمياء تعزز على الدوام الكراهية. والحب لا يدوم بين جنبات الخفية ولعبة الإخفاء حيثما يجيدها المتكارهون. لأن الحب، بالمجمل كما بالنسبة للشاعر أغاثون (صاحب مأدبة الحوار مع أفلاطون وغيرهما) شيء مرهف، حساس، لطيف، لا يسكنه سوى ما هو ناعم، ليس هناك حب في القلوب القاسية. الحب مداوٍ ورقيق، يُخرج العنف والقسوة، إذا سكن القلب، ويولد الإحساس والفضيلة.*2

من أمتع ما في الحب أن العلاقات بين المحبين تسبح باستمرار داخل فضاء دائرة الحب اللامحدودة. لا تخرج منها نحو فضاء دائرة الكراهية. لذا فإن الغارق في حبه يؤتى له أن يستجمع كل الملذات، وعلى نحو يتيح له أن يمارس حيويته الوجودية، بكل أبعادها الإيروسية والسلطوية والمعرفية، لكي يمارس وجوده على النحو الأجمل والأمتع، ولكن عبر الوجود مع الآخر أو من أجل الآخر.*3 وهو آمر ليس من السهل التعاطي معه والثبات عليه ما لم يتمكن المرء من تعلم تقنية للسيطرة على المشاعر كما في المقطع المرفق:

 

*1 اختلال العالم ص ٦٧، أمين معلوف

*2 فرويد ضد داڤنشي، الحب بين التحليل النفسي والفن، حمودة إسماعيلي، ص 49، بتصرف.

*3 الحب والفناء، ص 10، د. علي حرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى