مايسطرون
2022-07-27

العرب بين السلطة و الدولة


تتفق جميع التحليلات الاستراتيجية و السياسية أن ما جرى من تحولات سياسية في بعض البلدان العربية , هي تحولات طالت السلطة السياسية , بوصفها هي الجهاز المؤسسي و البيروقراطي المعني بتسيير شؤون الدولة و سياساتها الداخلية و الخارجية . و إن تفاقم إخفاق هذه السلطة في تلبية طموحات شعبها و تجاوز محنهالسياسية و الاقتصادية و الاجتماعية , هو الذي يوفر المناخ لتحرك الشعب بقواه المختلفة لإخراج السلطة من دائرة إدارة الشأن العام .

إلا أن هذه التحليلات تختلف مع بعضها البعض حول مسألة : هل القضاء على السلطة السياسية , يقود إلى القضاء على الدولة . أم أن الدولة بوصفها المؤسسة الثابتة و الضاربة بجذورها في عمق المجتمع , هي مؤسسة لا يمكن القضاء عليها بهذه السهولة أو بالطريقة التي جرت في دول الربيع العربي . و من الضروري في هذا السياق و من منظور علم الاجتماع السياسي , أن يتم التفريق بين مفهوم وحقيقة السلطة السياسية و مفهوم وحقيقة الدولة .

و إن من الأخطاء الشائعة على الصعيد العربي , التعامل مع هذين المفهومين بوصفهما حقيقة واحد , بينما في المنظور العلمي و الواقعي يتم التفريق و التمييز بين السلطة و الدولة .

صحيح أن السلطة هي بعض الدولة , بمعنى أنها  ( أي سلطة ) هيالجهاز الإداري و التنفيذي للدولة إلا أن هذه المساحة الواسعة التي تحتلها السلطة إلا أنها لا تملأ كامل مفهوم الدولة . فالسلطات السياسية هي سلطات متحولة و متغيرة , إلا أن الدولة بوصفها مؤسسة متكاملة هي مستقرة و ثابتة و قادرة على التكيف مع سلطات سياسية مختلفة و متنوعة في خياراتها و أولوياتها .

السلطة مهمتها إدارة و تسيير الشأن اليومي للمواطنين , إلا أن الدولة هي المعنية بالسياسات الاستراتيجية و الخيارات الكبرى و قضايا الأمن القومي و صياغة اتجاهات السلطة سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي .

ولعل من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها النخب السياسية الجديدة في بعض بلدان الربيع العربي أنها اعتبرت حالها حين وصولها إلى السلطة إلى أنها قادرة على التحكم في مسار الدولة . إلا أنها في حقيقة الأمر اصطدمت مبكرا مع القوى الحقيقية التي تعبر عن الدولة , ولم تتمكن هذه النخب السياسية الجديدة من إنهاء تأثير قوى الدولة و تعبيراتها المركزية .

ولعل الكثير من صور الصراع السياسي و الشعبي و المؤسسي التي جرت في دول الربيع العربي بعد سقوط النظام السياسي , تعود في جذورها الأساسية و أسبابها البعيدة و الحيوية إلى السعي المتبادل من قبل قوى السلطة الجديدة و قوى الدولة الثابتة و المستقرة إلى التحكم في المسار السياسي العام .

ولكل طرف من هذه الأطراف حيثياته و مبرراته في سياق السعي للتحكم و ضبط المعادلات المستجدة وفق رؤية هذه القوى أو تلك . فالنخب السياسية الجديدة استندت في مشروع استحواذها على إنها صانعة التغيير السياسي الأخير , و هذا الإنجاز يؤهلها إلى التحكم في مسار السلطة و الدولة معا . أما القوى و المؤسسات الفعلية فكانت تعتقد أنه لولاها لما تمكنت هذه النخب من السيطرة على مقدرات السلطة السياسية . لأنها هي القوى التي حيدت المؤسسة العسكرية بكل أجهزتها , و هي التي منعت من الاستمرار في استخدام العنف العاري ضد الناس المتظاهرين , و إنها هي بحكم علاقاتها و تحالفاتها التي وفرت الغطاء الإقليمي و الدولي للحظة التغيير السياسي .

لذلك فإن هذه القوى تعتبر نفسها هي الشريك الأساسي الذي لا يمكن الاستغناء عنه , و إن أية محاولة جديدة للاستغناء ستفضي إلى الفوضى و انهيار مؤسسات السلطة و مؤسسات الدولة معا ..

و من منظور سياسي واقعي فإن جوهر الارتباط و بعض أشكال الفوضى والانفلاش التي تعيشها بلدان الربيع العربي . تعود إلى الاختلاف العميق الذي طرأ على المشهد السياسي و الاستراتيجي بين نخب السلطة السياسية الجديدة و نخب الدولة العميقة و الثابتة و المتحكمة في الكثير من مفاصل الحياة .

و إنه أذا تمكنت قوى السلطة الجديدة من التحكم في مسار الأحداث و التطورات , فهذا يعني على المستوى الواقعي سيادة الفوضى و بروز التناقضات السياسية و العميقة على المشهد السياسي و الاجتماعي .

أما إذا تمكنت قوى الدولة العميقة من إخراج النخب الجديدة من السلطة و التحكم مجددا بمفردها في مسار الأمور و التحولات , فهذا يعني على المستوى الواقعي إعادة إنتاج الاستبداد السياسي بقفازات جديدة و بخطاب سياسي جديد مقبول من قبل بعض فئات و شرائع الشعب . و لدى هذه الشرائع الاستعداد التام للانخراط المباشر في الوقوف دفاعا عن قوى الدولة العميقة و بالضد من نخب السلطة السياسية الجديدة .

و يبدو من طبيعة تحولات ما يسمى بالربيع العربي , أنه لا يمكن لأي قوة أن تحقق الانتصار الكاسح على القوة الأخرى.

لأن التحولات السياسية التي جرت في هذه البلدان , ليست تحولات نهائية , و إنما هي في بعض جوانبها شكل من أشكال التسوية , بحيث ترفع قوى الدولة يدها عن السلطة السياسية القديمة مما يوفر الأرضية بشكل سريع إلى انهياراها و هذا ما حدث في مصر و تونس و اليمن . وفي المقابل فإن النخب السياسية الجديدة تلتزم بالحفاظ على المؤسسات الاستراتيجية للدولة , و كذلك خيارات الدولة السياسية و الاستراتيجية . لذلك فإن ما جرى ليس انتصارا كاسحا لأحد الأطراف , و إنما هي تسوية سياسية بين بعض قوى الشعب التي تحركت ضد السلطة السياسية القديمة و طالبت بسقوطها و بين مؤسسات الدولة العميقة التي لم تقف ضد مشروع خروج النخبة السياسية القديمة من السلطة .

و بالتالي فإنه ثمة شراكة في مشروع التحول السياسي , هذه الشراكة هي التي تحول دون تفرد أي طرف من الأطراف بالمعادلة الجديدة . و النفق الجديد الذي دخلته بعض هذه البلدان هو الصدام المباشر  وفض الشراكة أو تبديل بعض أطرافها , مما أدخل الأوضاع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في امتحان جديد , قد يكلف هذه الدولة أمنها و استقرارها السياسي و الاجتماعي خلال المرحلة الراهنة .

وعلى ضوء هذه الثنائية العربية العميقة بين السلطة و الدولة , لا يمكن أن ينجز مشروع الديمقراطية في العالم العربي دفعة واحدة , و إنما هو بحاجة إلى جهد مكثف و مؤسسي و على مدى زمني حتى تتمكن دول العالم العربي من إنجاز مشروع الدمقرطة و المشاركة الشعبية المؤسسية في إدارة الشأن العام .

و من يبحث عن إنجاز مشروع الديمقراطية دفعة واحدة و في ظل هذه الظروف , فإنه على المستوى العملي سيحصد وقائع مناقضة للديمقراطية و ستدخل تعبيرات المجتمعات العربية في أتون الصراعات و الصدمات التي تزيد من تعويق مشروع الديمقراطية في المنطقة العربية .

و عليه فإن التحولات الإصلاحية السياسية في المنطقة العربية , هي من أسلم الخيارات للمنطقة العربية , التي تعيد صياغة  شرعية السلطة السياسية على أسس جديدة , و في ذات الوقت تنفس حالة الاحتقان الأمني السياسي التي تشهدها بعض بلدان المنطقة العربية . فالإصلاح السياسي المؤسسي و التدريجي والحيوي هو الذي يجنب دول العالم العربي الكثير من المآزق و التحديات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى