مايسطرون
2022-11-14

الطائفية المعكوسة


على المستويين العربي والإسلامي نستطيع القول أن أغلب الدول والمجتمعات العربية والإسلامية , التي تعيش حقائق التعدد والتنوع المذهبي , تعاني من مشكلة مستوى الانسجام الاجتماعي والثقافي بين مختلف أطرافها ومكوناتها وتعبيراتها .
لأننا جميعا كعرب ومسلمين لم نتمكن من إدارة تنوعنا المذهبي بصورة إيجابية وحضارية .
لذلك في المكان الاجتماعي الذي تتواجد فيه مجتمعات بشرية , تنتمي إلى مدارس عقدية وفقهية مختلفة عن مدرسة الأكثرية إذا جاز التعبير , تعاني هذه المجتمعات من مدى انسجامها والتحامها مع بعضها البعض .
وحتى نتمكن من معالجة هذه المسألة بشكل صحيح , من الضروري القول : أن المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية المترتبة من وجود حقائق التنوع والتعدد , ليست نابعة من طبيعة التعدد والفقهي والمذهبي أو التنوع الثقافي والاجتماعي , وإنما نابعة من طبيعة الخيارات المتبعة في إدارة حقائق التعدد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية . وحتى لا نقع في المواقف الأيدلوجية التي تغطي مقتضيات الموضوعية في التعامل مع مثل هذه الموضوعات , نتمكن من القول : أن جميع المسلمين بمختلف مدارسهم الفقهية ومشاريعهم الفكرية فشلوا على المستوى العملي في إدارة التنوع المذهبي الموجود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية .
لهذا نحن بحاجة باستمرار إلى تطوير مناهج وآليات إدارتنا لحقائق التنوع الموجودة في مجتمعاتنا , حتى نتجاوز كل العيوب التي قد نقع فيها . وتسبب إشكاليات عملية من جراء سوء إدارتنا أو تعاملنا مع حقائق التنوع المذهبي . ولو تتبعنا اليوم طبيعة الصراعات والصدامات التي تجري في أغلب المناطق العربية والإسلامية , سنجد أن أغلب هذه الصراعات والصدامات , تعود في جذورها إلى الإخفاق الكلي أو النسبي في إدارة حقائق التنوع المذهبي الموجودة في البلدان العربية والإسلامية .
وما نود أن نثيره في هذا المقال هو طبيعة المشكلة الطائفية التي تعاني الأمة منها , ولكن من زاوية أخرى . وهي ما نسميها الطائفية المغلوبة أو المعكوسة .
بمعنى أن الممارسة الطائفية سواء كانت خشنة أن ناعمة , تمارس على نحوين أساسيين وهما : أن المجتمع الغالب يمارس طائفيته المعهودة , حيث التهميش والإقصاء والاستبعاد , والتعامل مع الطرف المذهبي المختلف , بوصفه مشكلة حقيقية وواقعية , تقتضي الاحتراز من هذا الطرف وعدم تمكينه من بعض المواقع الإدارية والسياسية .
لذلك ووفق هذه الرؤية الضيقة في التعامل مع التعددية المذهبية , فإن هذه الرؤية بدل أن تفكر في خيارات حضارية في التعامل مع هذه التعددية , فهي تلتزم بالرؤية السائدة في المنطقة العربية , التي تقتضي الإبعاد الممنهج والإقصاء وتصل بعض الحالات والنماذج إلى ممارسة التمييز بحق الطرف الوطني أو الاجتماعي الذي ينتمي إلى مدرسة فقهية مختلفة أو مغايرة .
وفي مقابل هذه الرؤية , فإن المجتمع الذي تقع عليه سياسات الإقصاء والتهميش , فإنه يقع في ذات المشكلة التي يعاني منها . وهذا ما نسميه الطائفية المغلوبة أو المعكوسة . ولعل من أهم سمات هذه الطائفية المعكوسة هي النقاط التالية :
1ـ العزلة والانكفاء والابتعاد قدر الإمكان عن المحيط الاجتماعي والثقافي والوطني . فإذا كان الغالب يمارس التهميش , فإن المغلوب يمارس العزلة والانكفاء وعدم الاندماج الوطني .
وعلى المستوى التاريخي إذا كانت هناك مبررات ومسوغات للعزلة والانكفاء في حقب تاريخية سابقة . فإن الانكفاء والانعزال في الحقبة الراهنة , يعمق فعل التهميش والإقصاء .
ولا معالجة واقعية لفعل التهميش والإقصاء إلا في الحضور الواعي والحيوي والفاعل على المستويات الوطنية كافة . لأن العزلة ومتوالياتها الإدارية والاجتماعية والثقافية , تضيع الكثير من الفرص التي توفر إمكانية عملية لتجاوز سياسات التهميش أو خيارات الإقصاء .
لذلك فإننا نتمكن من القول : أنه مهما كانت خيارات الإقصاء والتهميش , فإن خيار العزلة والانكفاء يفاقمها ويزيد وطأتها في مختلف الدوائر والمستويات .

ولا حل حقيقي إلا بكسر حاجز العزلة والانكفاء والانطلاق في رحاب الوطن بعيدا عن مركبات النقص التي قد تصيب تلك المجتمعات , التي تراكمت عليها سياسات الإقصاء والتهميش .
2ـ توسيع دائرة المقدس . لو تأملنا في طبيعة السلوك الجماعي الذي تأخذه وتمارسه المجتمعات المنهزمة أو المغلوبة , فإننا نجد أن من أبرز هذا السلوك وكشكل من أشكال الدفاع عن الذات ومقدساتها , هو العمل على توسيع المقدس لديها لحماية المقدس الحقيقي لديها , وحتى لا يتمكن الطرف الغالب من التعدي المباشر على المقدس الحقيقي . لذلك فإننا نرى أن حجم المقدسات لدى المجتمعات المستقرة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا يختلف جذريا عن حجم المقدسات لدى المجتمعات المهددة في وجودها أو كيانها العميق .
من هنا فإن المجتمعات المغلوبة تزداد تمسكا بذاتها الثقافية , ولا تكتفي بذلك , وإنما تعمل عبر آليات عديدة إلى توسيع المقدس كوسيلة من وسائل الدفاع عن المقدس الحقيقي . ومع الزمن تتحول المقدسات الإضافية إلى مقدسات حقيقية من جراء تعاقب الأجيال واختلاف الظروف والأحوال .
3ـ الرهاب من التجديد : من الناحية السوسيولوجية فإن المجتمعات المغلوبة لا تمارس التجديد , ولا تعتبره من أولوياتها القصوى . وإن أغلب جهدها الحقيقي يتجه صوب وقف حالة المغلوبية , والتمسك بأهداب الهوية الذاتية التي هي خط الدفاع الأخير لهذا المجتمع .
أعتقد أن هذه السمات هي من أبرز سمات المجتمعات المغلوبة والتي وقعت في فخ ما نسميه الطائفية المغلوبة . ولن تتمكن هذه المجتمعات المغلوبة من معالجة واقعها وراهنها , إلا بالتحرر من الطائفية المغلوبة وهي الخطوة الأولى في مشروع التحرر من الطائفية الغالبة من أجل المشاركة الفاعلة في وطن للجميع وينعم به الجميع وتتلاحم فيه كل شرائح وفئات المجتمع . لذلك ومن منطلق وطني عميق , ينبغي أن نقف ضد كل نوازع العزلة والانكفاء ونشجع أبناء الوطن بمختلف أطيافهم للانفتاح على بعضهم البعض وكسر حواجز ومبررات الانكفاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى