2013-10-07

أصول التفكير العلمي عند الإمام الجواد – عليه السلام-

لقد تقلد الإمام الجواد -عليه السلام- منصب الإمامة والزعامة الدينية بعد والده الإمام الرضا -عليه السلام- وهو طفل بعد لم يتجاوز سن السابعة، واستطاع خلالها اثبات أن العمر ليس مقياس لتشخيص القدرة العلمية لأي إنسان خاصة إذا كان مسددًا بقوى إلهية…

وحيث أننا لا نستطيع أن نحيط بمجمل صفاته فضلاً عن تفصيلها، لذا سنكتفي بسمة واحدة أعتقد أنها تشكل جانب مهم من شخصية الإمام -عليه السلام-، ونحن بحاجة ماسة أن نتتلمذ على تعاليمها ونستقي من منهلها، ألا وهي “أصول التفكير العلمي” الذي كان يتمتع به الإمام، والذي عمل بجد على فتح آفاقه لأعلام عصره عبر مواقفه، وأسلوبه في المناظرات…

العقلية الممنهجة:
من الدروس المهمة التي علمها الإمام الجواد -عليه السلام- لعلماء عصره، هي مسألة التقسيم العلمي للمسائل وفق أطر ممنهجة وليست عشوائية، فالعلم وحده دون وضوح في الرؤية، وقدرة على إدراك حقيقة العلم وآفاقه قد يكون وبال على الإنسان وليس نعمة، وإليك هذا المنال من حياة الإمام الجواد -عليه السلام- عندما حاول ابن أكثم إحراج الإمام -عليه السلام- ظناً منه أنها عويصة وفوق مستوى سنّه، فردَّ عليه الإمام بدرس معمق في الفقه الإسلامي وأصول التفكير العلمي.

تقول الرواية قام المأمون بإحضار قاضي القضاة يحيى بن أكثم ليمتحن الإمام -عليه السلام-. واختيارهم لقاضي القضاة وهو أعلى منصب ديني في الدولة آنذاك يدل على مدى خوفهم من الإمام واعترافهم بعظمته رغم صغر سنه. وفي مجلس حاشد واجه القاضي يحيى الإمام -عليه السلام- بالمسألة التالية: ما تقول في محرم قتل صيداً؟ وبكل بساطة واطمئنان أجاب الإمام -عليه السلام-: قتله في حِل‏ٍ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حراً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصراً على ما فعل أم نادماً؟ ليلاً كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟ واشرأبت الأعناق إلى القاضي يحيى الذي كان أعجز من أن يتابع مسألة الإمام -عليه السلام- فبان عليه الارتباك وظهر فشله وعجزه، فقال المأمون لهم: أعرفتم ما كنتم تجهلون؟ وتوّج المأمون انتصاره بعقد قران ابنته من الإمام -عليه السلام- في نفس المجلس.

معطيات الرواية:
فالرواية إضافة لمحتواها العلمي تفيدنا على عدة أصعدة:
1- من الخطأ أن يغتر الإنسان بعلمه، ويظن أنه أعلم العلماء.
2- الموسوعية التي يتمتع بها الإمام -عليه السلام-، وسعة أفقه العلمي وشموليته.
3- أهمية الدقة في طرح السؤال، لنحصل على الإجابة المناسبة ، فالسؤال العام قد يؤدي إلى فهم خاطئ، وضياع الغاية من السؤال.
4- إن العلم لنفع الناس وليس لمجادلة العلماء والعمل على إحراجهم، فالعلم الذي من هذا القبيل نقمة وليس نعمة.
5- العالم المحق عليه أن يكون واثقاً من نفسه ليكون الله ناصره، فـ ” من كان مع الله، كان الله معه”…

تربية الكوادر العلمية:
قام الإمام بتربية نخبة كبيرة من الكوادر العلمية التي كانت رسل الإمام بين الناس ومبلغة لفكره ومنهجه العلمي، وهؤلاء كانت لهم أيادي بيضاء على الساحة الدينية، فمعظمهم من الحديثين الكبار، ولهم مصنفات مختلفة، جميعها مقتبسة من نور الأئمة، وهذه سمة العالم الفاعل الذي لا يحتكر العلم وإنما يبثه بين الناس…

قضاء حوائج الناس:
العالم طبيب دوار بعلمه ، يقضي حوائج الناس ، ويشاركهم همومهم والإمام الجواد عليه السلام ، كان مثلاً أعلى في خدمة الناس وقضاء حوائجهم النفسية والجسدية :
روي عن الشيخ أبي بكر بن إسماعيل أنه قال: «قلت لأبي جعفر ابن الرضا (عليه السلام): إن لي جارية تشتكي من ريح بها، فقال: ائتني بها فأتيت بها فقال: ما تشتكين يا جارية؟ قالت: ريحاً في ركبتي، فمسح يده على ركبتها من وراء الثياب فخرجت الجارية من عنده ولم تشتك وجعاً بعد ذلك ».

وروي عن محمد بن عمير بن واقد الرازي أنه قال: «دخلت على أبي جعفر ابن الرضا (عليه السلام) ومعي أخي به بهر شديد فشكى إليه ذلك البهر ، فقال (عليه السلام): عافاك الله ممّا تشكو، فخرجنا من عنده وقد عوفي فما عاد إليه ذلك البهر إلى أن مات.

وأخيراً هذه نبذة وقبس بسيط من هدي الإمام الجواد عليه السلام ، ليكون لنا معلماً ومدرسة نسير على نهجه ، وننهل من معينه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *