ads
ads
2015-08-14

«تسجين النخيل» مهنة تحولت هواية.. و«عيالها» حادُّون


الدمام ـ الساحل الشرقي

حرفة تاريخية وفّرت مواد البناء وطردتها الخرسانة المسلحة
الحساوية يذكّرون.. والقطافة يؤنّثون.. والدلالة واحدة

العافية وبناتها.. أو عيالها

إذا مازحك صديقك «الحساوي»؛ فقال لك «يعطيك العافية واعْيالْها»؛ فلا تفرح. إنه لا يدعو لك، بل عليك. ومثله صديقك القطيفي إذا قال لك «يعطيك العافية وبناتْها».
العافية -في هذه العبارة المازحةـ ليست الصحة، ولا السلامة. إنها عُدّة عملٍ خاصة تضم أدوات حادّة، وتُستخدَم في تقطيع جذوع النخل..!
سُكّان الأحساء يسمّونها «عيال العافية»، وسكان القطيف يسمّونها «بنات العافية».. وليس ثمة فرق إلا فرق التذكير الحساوي والتأنيث القطيفي..!

مادّة بناء

تُستخدم العافية لضرب بناتها

حين كانت النخلة مادّة أساسية في حياة الإنسان الخليجي؛ كانت جذوعها مادّة بناءٍ أساسية في البيوت الطينية، كما هو الحال في البيوت الخوصية المختلفة. ولصلابة الجذوع؛ استُخدِمت للأسقف والجسور والأعمدة والوصلات أثناء البناء. وحتى يُستفاد منها؛ لا بُدّ من تقطيعها وتجهيزها بطرقٍ فنية خاصة. هذه الطرق هي ما يُعرَف -محلياً- بـ «التسجين» الذي يعني تقطيع جذع النخلة وتفليقه، وإعداد جُذوع طوليّة منها بالمقاسات المطلوبة.
مهنة «التسجين» كانت رائجة قديماً بحكم كون جذوع النخل سلعةً من السلع المطلوبة تجارياً لأعمال البناء. وصاحب المهنة يسمّى «مُسجِّن» و تُنطق عامياً «امْسَجِّنْ». وهناك أسر في المنطقة الشرقية حملت اسم هذه المهنة لأن بعض أفرادها امتهنوا تسجين النخيل وبيعه. ولأن النخلة كانت في مرتبة تُشبه مرتبة القداسة؛ فإنهم لم يكونوا يُسجّنون إلا النخلة الميتة، أو الساقطة، ولم يكونوا يتجرأون على إسقاط نخلة حية مُنتجة للحصول على جذعها. وفي الميثولوجيا الاجتماعية يحمل إسقاط النخلة الحيّة نذير شؤمٍ، بالذات في المجتمع الريفيّ.

هواية.. لا مهنة

محمد الخراري

راجت مهنة التسجين لأن الجذوع كانت مطلوبة في مواد البناء. أمّا اليوم؛ فلم تعد موجودة كمهنةٍ أو حرفة، بل كهوايةٍ تطوّعية يمارسها أفرادٌ يُسجّنون الجذوع لاستخدامها أسقفاً وشواهد للقبور. إذ لا تزال عادة تسقيف القبور بالجذوع مستمرّة في كثيرٍ من قرى المنطقة الشرقية.
الفوتوغرافي السعودي محمد الخرّاري رافق مجموعة عمل متطوعة في عدد من مهامّ التسجين، وخصّ «الشرق» بقصة مصوّرة رصد فيها مراحل العمل، من إسقاط النخلة حتى صفّ الجذوع المسجّنة.

 

 

 

عملية شاقة

جاهزة (تصوير: محمد الخراري)

بالتأكيد؛ فإن عملية التسجين شاقة تبعاً لصلابة النخلة. والقِطع المطلوبة منها يجب أن تُعدَّ بطريقةٍ فنيةٍ للحصول على 12 جذعاً مسجّناً على الأقل من جذع النخلة. وهذا يتطلّب تقطيع الجذع الطويل إلى ثلاثة أجزاء، ومن ثّمّ تقطيع كل جزء إلى 4 أجزاء طولية، ليصير كلّ جذع، في شكله النهائي، مثلث الشكل طويلاً، كما في الصور. الصعوبة الأساسية تكمن في التعامل مع خشبٍ قاسٍ صلبٍ عنيد من قشره ومن داخله. ولذلك يبدأ العمل بالتشقيق الطولي للجزء المستهدف، ثم تعميق الشق بالفأس، والاستعانة بقطع خشبية في ضبط كلّ شق، والضرب بـ «العافية» والفؤوس، وحشرها على امتداد الشقّ، وهذه العملية تفلق الجذع إلى فلقتين طوليتين.
بعد هذه المرحلة يتمّ فلق كلّ فلقةٍ إلى فلقتين أخريين، وهكذا يحصل المسجّن على 4 جذوع مسجّنة بالمقاسات التي حدّدها سلفاً.

حسن آل مدن

ويؤكّد حسن علي عبد الله آل مدن، وهو متطوّع ضمن مجموعة في بلدة الجارودية، أن عملية التسجين تحتاج فريق عملٍ يتقاسمون المهامّ، ويتناوبون عليها. يضيف «تحتاج المهمة 4 أشخاص على الأقل». وعن نوعية النخيل يقول «ليس كلّ نخلة صالحة للتسجين» إذ «لا بدّ أن تكون من نوع جيد، وأفضلها الخلاص والماجي والخنيزي، فهذه الأنواع صلبة وخشنة. وأردؤها خصيب الرزيز رخوة الجذع». ثم «لا بدّ أن تكون النخلة مُعمّرة جداً، حتى يتمّ إسقاطها وتسجين جذعها».
وعن أفضل أوقات التسجين يقول «الشتاء أنسب لمن يسجّن، لأن العمل مُجهِد جداً، خاصة بالأدوات القديمة. أما بالنسبة للنخلة فالصيف أفضل، لأن الجذع يكون أقلّ رطوبة، وبالتالي يكون أقلّ صعوبة».

 

 

خِلفة النخلة

القطع الطولي باستخدام القدُّوم

المدن ينبّه إلى أن «الفلاحين يحترمون النخلة بشدة، ولا يرضون بإسقاطها إلا في الضرورات». وحين يُسقطون واحدة؛ فلا بدّ من تعويضها بغرس فسيلة مكانها أو قريباً من موقعها، وتُسمّى الفسيلة المغروسة «خِلفة». ولذلك؛ لم يكن عدد نخيل البستانُ القديم ينقصُ، لأن كلّ نخلةٍ تسقط تحلّ مكانها فسيلة تكبُر وتُصبح نخلة. وهذا ما يجعل البساتين خضراء متجددة على مدى السنوات الطويلة.
أما اختيار النخيل للتسجين؛ فإنه يتم -والكلام ما زال للمدن- بواسطة «مالك البستان أو المسؤول عن وقفيته». وكان التقليد السنويّ هو أن يزور المالك البستان، وبعد أن يتجوّل فيه يُحدّد للمستأجر عدداً من النخلات بعينها لـ «تطييحها» وتسجينها ووضع «خلفة» مكانها في موسم الغرس. وقد يُحدّد كمية من الجذوع المسجّنة لبيعها على البنّائين «البَنَّايَهْ»، وكميةً أخرى يتبرّع بها للمقابر.

عُملاء المسجّن

جاهزة للنقل                                                            (تصوير: محمد الخراري)

العاملون في البناء عملاءُ للمسجّن. لكنهم ليسوا وحدهم. فالخبّازون، أيضاً، يشترون الجذوع المسجنة مقطّعة، لاستخدامها وقوداً في «تنُّور الخَبز». والأنواع الرديئة من الجذوع هي الأنسب لهولاء العملاء، ذلك أنها ليست شديدة الصلابة، وتحتفظ بالنار مدة طويلة. السبب الأخير هو ما جعل من جذوع النخل وقوداً مهمّاً في طبخ القدور الكبيرة في المناسبات أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى