ads
ads
مايسطرون
2017-11-23

العنف الأسري وتبعاته


دخلت مفردات العنف إلى صلب الحياة اليومية، في البيوت والمدارس والجامعات، كما في الأحياء والحارات. وانتشرت اليوم بشكل غير مسبوق مع انتشار

وسائط التواصل الإلكترونية الحديثة، حيث أصبح لها تأثيراً مهماً في ثقافة الفرد وأفكاره وسلوكه، وفي توجيهه أيضاً. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، ساحة واسعة لممارسة الكراهية والبغضاء والطائفية،

بل ومنصة كبيرة لتصفية الحسابات والأحقاد. فمنذ أن دخل الإنترنت والتقنية الحديثة بمختلف وسائلها ووسائطها مجال التداول انخلقت حالة تفاعلية غير مسبوقة بين بني البشر، وبكل ما ينطوي عليه هذا التفاعل من سلبيات وإيجابيات.

غير أن الثقافة العنفية في المجتمعات العربية ليست وليدة عصر منتجات التكنلوجيا الحديثة، بل هي ظاهرة متجذرة في بنية هذه المجتمعات، كما يقول علي محمد فخرو، مشيراً إلى أن “ظاهرة التطرف في المجتمعات العربية هي ظاهرة عامة متجذًّرة في ثقافة المجتمع ومتجلية في تاريخه،

مضيفاً بأنها ظاهرة تبدأ بالتعصُّب الأعمى، لتصبح بعد ذلك تطرفاً في القول والفعل، ولتنتهي بممارسة العنف أو الإرهاب. فالتعصُّب للأفكار والمعتقدات والعادات قاد مجتمعاتنا في النهاية، وفي كثير من الأحيان، إلى توليد تجليات وممارسة العنف ليس في الدين فقط، وإنًّما في شتًّى مناحي الحياة.

وحين دراسة ظاهرة العنف في تركيبة العائلة العربية نجد أن الكثير من الأمهات والآباء يصًّرون على كسر شوكة الكرامة في أطفالهم من خلال الصٍّراخ الهستيري، وإصدار الأوامر التي لا تقبل النِّقاش، واستعمال قوة يد البطش ضدُ أطفال صغار ضعاف الجسد لا حول لهم ولا قوًة للدفاع عن أنفسهم. ويتساءل فخرو ألا يستهزئ هؤلاء بفكرة العلاقات الديموقراطية، من أخذ وعطاء وتسامح وحلول وسطية، فيما بين الوالدين وأولادهم وبناتهم، ويعتبرون ذلك تدليعاً لا محلًّ له؟

وفي العائلة العربية تنتشر ظاهرة العنف اللفظي المبتذل عند الأم، وظاهرة العنف الجسدي عند الأب. ويتبارى بعض الآباء والأمهات فيمن يبزُّ الآخر في “التربية” و”الانضباط” وانتزاع الاحترام الكاذب من خلال المبالغة في استعمال شتُّى أنواع العنف الجسدي واللفظي والنفسي القائم على الطاعة العمياء وعلاقات الزبونية والرشوة”. 

وفي سياق دراسة ظاهرة العنف اللفظي صدرت دراسة علمية ميدانية على مستوى المملكة، قام بها مركز رؤية للدراسات الاجتماعية، حول مدى انتشار العنف الأسري في المجتمع السعودي ومعرفة أنماطه الشائعة، ودرجة انتشار كل نمط، وأسباب العنف، وما ينجم عنه من آثار سلبية، وطرح بعض الحلول التي قد تخفف من وطأته،

خَلُصَت فيه إلى أنه ينتشر في المجتمع السعودي معظم أنماط العنف الأسري الشائعة والمعروفة، كالعنف اللفظي والبدني والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والصحي والجنسي والحرمان والإهمال، حيث لوحظ بأن العنف اللفظي يأتي بالمركز الأول كأحد أنواع العنف الأسري، والأكثر انتشاراً من بينها. 

وقد أشارت الدراسة إلى أن “أكثر أشكال العنف اللفظي المنتشرة في المجتمع السعودي تتمثل في التوبيخ الشديد، يليها الاستهزاء والتحقير، يليها السب والشتم واللعن، يليها سب الأهل كالوالدين وبعض الأقارب، وتهديد الزوجة بالطلاق والزواج عليها، يليها السب أمام الناس لزيادة التحقير والإهانة.

كما كشفت النتائج أن 44٪ من المبحوثين يرون أن الضرب باليد أو الرفس هو أكثر أشكال العنف الجسدي انتشاراً في المملكة، يليه الدفع والرمي على الأرض ثم شد الشعر، وبعده الجلد بالعقال، أو سلك، أو سوط، أو عصا. وبينت الدراسة إلى أن أهم آثار العنف الأسري طلب الزوجة الطلاق، والتسبب بمشكلات نفسية للضحايا، وتأخر الأبناء دراسياً، وتعاطي المخدرات هروباً من الواقع، والانحراف الأخلاقي والسلوكي”. 

وبعد زيادة حوادث العنف ضد الأطفال، خرجت وزارة الشؤون الاجتماعية بدراسة أكدت فيها بأن “العقوبات اللفظية” هي أكثر أنواع الإيذاء الذي يتعرض له الأطفال من قبل والديهم على مسـتوى المملكة، وأوضـحت الوزارة طبقاً للدراسة بأن العقوبات اللفظية احتلت الصدارة في قائمة أنواع الإيذاء الذي يتعرض له الأطفال من قبل الوالدين بعدد 148 بنسبة بلغت 31.0% من أصل 477 طفلا وطفلة أجريت عليهم الدراسة، تلاه أطفـال تعرضوا لأكثر من نوع من الإيذاء بنسبة 25.4% وبعدد بلغ 121 طفلا وطفلة. 

وبينت الدراسة أن المرتبة الثالثة جاء فيها الأطفال الذي تعرضوا لعنف بدني بنسبة بلغت 17% وبعدد بلغ 81 طفلا وطفلة، موضحة أن الأطفال الذين تعرضوا للتعنيف عبر حرمانهم من الاحتياجات التي يرغبونها أتت في المرتبة الرابعة بعدد 26 طفلا وطفلة بنسبة بلغت 5.5%،

فيـما جاء الأطـفال الذين تعرضوا للإيذاء عبر طرق الإهمال في المرتبة الخامسة بعدد 17 طفلا وطفلة وبنسبة بلغت 3.6%، في حين جاء بالمركز السادس الأطفال الذي تعرضوا للإيذاء عبر طرق التفرقة في المعاملة بين الإخوان بنسبة بلغت 3.4% وبعدد 16 طفلا وطفلة.

وأوضحت الدراسة أن المرتبة السابعة والثامنة أتت بالمناصفة لكل من الأطفال الذين تعرضوا لـ”الإيذاء النفسي” و”الإهانة المستمرة” بنسبة بلغت 1.3% لكل منهما وبعدد 6 أطفال، فيما فضل 49 طفلا وطفلة الصمت وعدم الإجابة عن السؤال حول العنف الذي يتعرضون له مشـكلين نسبة بلغت 10.3%.

وحذرت وزارة الشؤون الاجتماعية من أن الإيذاء الذي يتعرض له الأطفال يوصمهم مستقبلاً، مؤكدة أن الأطفال ينتابهم الخوف ممن حولهم ويجعلهم خائفين من أي شيء، مشيرة إلى أن حوادث العنف والإيذاء تولد لدى الأطفـال العـجز والانطواء وضعف اتخاذ المبادرة وفقد الجرأة في الرأي، وغيرها.

هذا، وفرضت الدراسة التي بلغ عدد أفراد عينتها 477، منـهم 228 طفلا، و189 طفلة تسـاؤلاً مفاده “هل تعتقد أن الإيذاء الذي تعرضت له عدل من سلوكك؟”، وأجاب نحو 353 طفلا وطفلة بـ”نعم” تم تعديل السلوك بناء على الإيذاء الذي تعـرض له بنسـبة 74.0%، فيما رأى 104 أطفال أن العنف لم يؤثر على سلوكهم في المستقبل بنسبة 21.8%، في حين لم يجب 20 طفلا أو طفلة على هذا التساؤل بنسبة 4.2%.”. 

لعل الخلاصة التي يمكن استنتاجها من هذه الأحاديث والتقارير والدراسات هي أن العنف اللفظي يحتل المرتبة الأولى من حيث الانتشار بين أشكال العنف المختلفة، ويأتي في صدارة قائمة أنواع الإيذاء الذي يتعرض له الأطفال في المحيط الأسري والاجتماعي الذي يعيشون فيه، وهو الأمر الذي يشير إلى نمط من الثقافة يستسهل التلفظ بالكلمات الحادة والجارحة في علاقات الناس مع بعضهم البعض، واستخدام أساليب الترهيب والتسلط والإجبار في تعاملاتهم، بعيداً عن أساليب اللغة الحوارية العقلانية والمنطقية.  

ولعل السؤال الذي يطرح في سياق الحديث عن ظاهرة العنف الأسري هو “إذا كان الطفل يتأثر بالأجواء التي تسود المنزل الذي يعيش فيه، فبالتالي ماذا ننتظر من مجتمع يتربى أطفاله في بيئة أسرية تقوم على العنف والاقصاء وتدمير الآخر؟ فمعظم الأسر في بلادنا تعيش في أجواء سلطوية يتحكم فيها الوالد والولد الكبير على كل مفاصل الحياة في المنزل، حيث تتعرض الزوجة والأطفال الصغار لكل انواع التهميش والاقصاء. 

لذلك فإن ما يحدث في بلادنا ليس إلا نتاج لهذه البيئة الوحشية القمعية، لأن نمط العلاقات الإنسانية القائم داخل الأسرة هو الذي يحدد طبيعة القيم التي سيتشبع بها الفرد، من تعلُم للتسلط والاتكالية والعجز والاعتماد على الآخرين، وسهولة الانقياد لضعف الشخصية،

أو على طرف النقيض من ذلك من تعلم لقيم النقاش والحوار والتسامح وقبول الآخر، وقوة الشخصية والقدرة على الابتكار والإبداع، مما يجعل التساؤل مشروعاً حول الدور الذي لعبته الأسرة في الوطن العربي في تقبل الآخر وعدم التسلط على أفكاره وقبول قيم التسامح”. 

إن السعي إلى تغيير نمط العلاقات الإنسانية القائم داخل الأسرة، والعمل على تحجيم قيم العنف والاقصاء وتدمير الآخر من جانب، وتربية قيم النقاش والحوار والتسامح وقبول الآخر من جانب آخر، يتطلب البحث عن أسباب انتشار ظاهرة العنف، والعنف اللفظي بشكل خاص،

ويستدعي البحث عن جذور هذه الظاهرة وأسبابها، وتبيان أصولها الثقافية، من خلال تشجيع البحوث التي تتناول الظاهرة ودراستها، وتبحث في أصول الثقافة العنفية في مجتمعاتنا، من أجل تكوين تراكم معرفي حول هذه الظاهرة وأساليب التعامل معها، ووضع الخطط والسياسات اللازمة لوقاية المجتمع والأسر والأفراد منها ومعالجة آثارها. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى